افورقي من مصوع إلي الديوم الشرقية إلى اسمرا

بقلم: عبد الغني احمد إدريس:
شُغلت مجالس المدينة الأسابيع الماضية بالخرطوم واسمرا التي بدات بشائر التفاؤل تدفع برياح الاصلاح نحو صباح جديد يغسل عثرات الماضي ويفتح الباب امام غد افضل ، فالجولات الماكوكية التي نشط فيها مسئولون سودانيون من وزن كبير في السلطة ( شهدت اسمرا اربع زيارات خلال اسبوع لوفود جاء في اولها وعلي راسها النائب الاول الفريق سلفاكير ومستشار الرئيس د.غازي صلاح الدين ومدير المخابرات المهندس صلاح قوش وآخرهم د.لام اكول وزير الخارجية الذي وقع اتفاقية التطبيع ) بين اسمرا والخرطوم وتوجت بتوقيع اتفاق تطبيع للعلاقات وقبول بدعوة الرئيس اسياسي لحضور القمة الافريقية في الخرطوم كلها جاءت كثمرة مباشرة تدفع للتفاؤل في دور لارتيريا ورئيسها اسياس افورقي في انجاز ما تبقي من سلام السودان في اطرافه القصية دارفور والشرق .
ولعل ذلك يدفع بالتساؤل حول طبيعة التكوين المؤسسي للقيادة الحاكمة في ارتريا وعلي قمتها الرئيس اسياس افورقي الذي نحاول عبر تسليط دائرة الضوء عليه في هذا الاسبوع ان نناقش وجود القيادات الاريترية في السودان ، ما الذي جنته منه وما الذي كسبه السودان منها ، ما هي اهم المحطات التي اسهمت في هذا التكوين وكيف كانت البداية وهل ما نشهده من تحسن ووعود بالتطبيع تمثل الخطوة الاولي في الطريق الصحيح ام انها هدنة ما قبل الحرب او ما يعرف بسكون العاصفة . ولنبعثر الضوء قبل التفاصيل...
شخصي وأسري :
ولد الرئيس اسياس افورقي في قرية تبعد كيلو مترات معدودة من مدينة مصوع الساحلية في منتصف الاربعينات لاسرة تنتسب الي قبيلة الحماسين التي تتوزع في تلك الرقعة وتتمدد حتي تخوم الهضبة الاثيوبية ( تنسب عشيرة والدة الرئيس ملس زيناوي التقراي الي ذات السلالة ويسمون اولاد الهضبة ) ومن تلك الجهة جاءت معظم قيادات الجبهة الشعبية لتحرير ارتريا الحاكمة حيث منهم مسفن حقوص وزير الدفاع السابق الذي تحول الي المعارضة ولم يعرف عن والده او والدته أي اهتمام بالسياسة كما يلاحظ ان اسرته ( زوجته وافراد اسرته ) لا يمارسون أي ادوار سياسية ظاهرة او مستترة ، الا ان عمه اختير ليشغل منصب المحافظ ـ حاكم ولاية ـ في عهد الاستعمار الايطالي وتشير بعض الروايات الي ان والده شارك في ضمن قوات اختارها الطليان للقتال في مناطق شمال الصحراء الكبري كانت تقع تحت الانتداب الطلياني وتحت دائرة النفوذ الاستعماري لايطاليا . اكمل تعليمه الاساسي في اثيوبيا الامبراطورية قبل ان يلتحق بجامعة اديس لدراسة الطب البشري في اواسط الستينات قبل ان يتركه وينضم الي صفوف الثورة التي نشبت مطالبة بانفصال وتكوين دولة ارتريا وانسحاب كامل الاثيوبيين منها . ولم يتسن له ان يكمل دراسة الطب الذي تحول عنه ليطير الي الصين لتلقي دراسات جامعية متخصصة في الفكر الايدولوجي وبناء قدرات الكادر الشيوعي عاد بعدها مشبعا بالفكر الاشتراكي والنظرية العلمية . فما لبث ان انضم الى تحالف جديد تشكل داخل الثورة قاده المناضل عثمان صالح سبي وتم تكوين جبهة تحرير ارتريا حيث تولي سبي قيادة العمل الخارجي وتوفير الدعم السياسي والمادي واللوجستي والدبلوماسي وغيره في حين ترك لاسياس تولي شأن الميدان والسيطرة علي القوات فيه مع القائد رمضان محمد نور ( الان متقاعد ولا يمارس أي دور سياسي ) وكما هو معلوم فتح المناضل سبي للحركة المتمردة خطوط دعم مع معظم الدول العربية خاصة مصر وسوريا وليبيا والعراق مما كان له الاثر الاكبر علي تامين الثورة الوليدة وقتها وهو ما بني عليه اسياس بعد الانتقال المريب الذي صاحب وفاة عثمان سبي في مستشفيات القاهرة بمصر في السبعينات . ومنذ وقت مبكر كان اسياس يعمل بجناح الحركة العسكري بصورة شبه مستقله ومتضاربة في بعض الاحيان عن الجناح السياسي الاخر مما بذر اول بادرة خلاف ادت تلقائيا الي انشقاق الحركة الي شطرين في العام 1976 م وسمي هو جناحه بالجبهة الشعبية لتحرير ارتريا واستطاع ان يوفر لها دعم دول المحور الاشتراكي وبعون مزدوج من الغرب مشفوع بتعاطف كنسي واضح دبرته له الكنائس الغربية واضح حتي استوت علي ساقين وتمكنت في عام 1981 م وبالتنسيق مع جبهة تحرير التقراي الاثيوبية و المتمردة علي حكومتها ان تسدد ضربة غادرة علي رفقائه السابقين من جبهة التحرير حتي استطاع ان يكسر شوكتهم ويجليهم عن مواقعهم في الميدان مما حدا بها الانسحاب الي داخل الاراضي السودانية والاحتماء بحكومة الرئيس نميري وقتها ، تحقق بذلك لاسياس وحركته السيطرة بصورة شبه كاملة علي الارض و استطاع ان يجني ما يلي ذلك من نتائج تتمثل في توحيد شرعية النضال و افتراع التمثيل الابرز ان لم يكن الاوحد لقوي المقاومة وهو ما لعب دورا اساسيا ومباشرا في ترسيخ خطوته التالية نحو الحكم بعد عشرة اعوام باعتباره البديل الوطني العملي الموجود في كل مكان بعد انجلاء الاحتلال وخروج الاثيوبيين وهو ما كان !!! .
ايام في السودان:
ولم تكن علاقته بالسودان استثناء فكما هو معروف ان معظم الزعامات والقيادات الاريترية عاشت إن لم يكن في طفولتها ففي صباها وشبابها في الســودان وفي قلب عاصمته الخرطوم ، وكذلك الحال بالنسبة للرئيس اسياس افورقي الذي كان اقام بحي الديوم بوسط الخرطوم الذي كان يعج بابناء الجالية الارترية في خلال فترة السبيعنات والثمانينات كما سكن فترات طويلة بمدينة كسلا ومناطق غرب وجنوب القاش ولمدة قصيرة بواد مدني ويذكر له الذين عايشوه بساطته وتواضعه في التعامل حيث لا يستقدم خدماً او حاشية في المنزل او الحركة كما ان شخصيته جاذبة خاصة للفئات النوعية من ابناء شعبه مثل الشباب والطلاب والمرأة و يُرِكّز دائما في حركته في تلك الفترة علي ان يحيط نفسه باجيال الشباب الارتري غير ان ذلك جاء به الي بثور خلاف جديدة تصاعدت في فترة الحكم حيث اتهمه رجال الحرس القديم بانه يسعي لتمكين ابناء قبيلته من الحماسين وتجاهل او تهميش الاخرين وانه يستنصر بضعيفي الراي والتجربة ، ويقول بعض من عملوا معه من رجال الاستخبارات السودانية في خلال ايام الثورة (انه حتي في ابهي الاجتماعات الرسمية لم يتخل عن انتعال ( الشِدّه ) وهي ما يشبه الزي القومي عندهم ، بسيط في تعامله خاصة مع الجنود الذين يساكنهم ويشاركهم الاكل والترفيه مما جعل ارتباطه بقواعده شخصي الولاء والتكوين ، الا انه ايضا يتجه الي الدهاء غير الحميد في نهجه السياسي حيث يتبع فرق تسد في منهجه السياسي في لعبة الثنائيات القبلية او الجهوية او الدينية وهو ما وضح بعد الثورة في الجانب التنظيمي للجبهة فيقوم النظام على نظام الحزب الواحد فكل السلطات تتركز في يد اسياس أفورقي فهو رئيس الدولة ورئيس الوزراء ورئيس الحزب والبرلمان وقائد الجيش وكل شئ ). وله صداقات عديدة مع شخصيات سودانية مثل الراحل المفكر المرموق محمد ابو القاسم حاج حمد الذي قال عنه في حوار مع قناة ح) الاستاذ محمد ابو القاسم صديق قديم للشعب الاريتري وقدم ودافع للنضال الاريتري من جهده وعرقه سنين طويلة تجعلنا نعتز بمواصلته ) ايضا له علاقات مع العديد من رجال القوات المسلحة مثل الفريق الدابي و الفريق عبد الرحمن سر الختم .
 

الحقوق محفوظة لموقع من اجل اريتريا

All Rights Reserved