مقابلة مع عثمان سبي في مقديشو وبيروت

سبي كان يشعر ان مرحلة «تنصير وتغريب» أريتريا قد بدأت وأن نهاية المطاف إن لم ينتبه العالم العربي ستكون إستقلال أريتريا وفقاً لما يريده غير شعبها أو وفقاً لما تريده الإرادة الدولية الغربية والإسرائيلية خاصة  

03/10/2009  سيد أحمد خليفـة

سألت صديقي ومرافقي أسماعيل الماخري ونحن نعبر الطريق الممتد من مطار مقديشو الدولي إلى فندق جوبا عن كل جوانب رحلتي وكان من الواضح أن القسم المختص في سفارة الصومال بالخرطوم متابع، إذ سألت صديقي ماخري عن لقاءات فندق الواحه، بيني وبين عاصم عطا صالح ضابط المخابرات«النجيض» والذي تخصص فيما بعد في قضايا القرن الأفريقي، وأصبح مستشاراً فيها لدى إحدى الدول العربية ولقد طمأنني صديقي«ماخري» بأن الأمور في السودان سارت على ما يرام وأن تكليفاً وطنياً لي قد صدر للقيام بدور الوسيط بين حكومة السودان والثورة الأريترية، ورويت لصديقي«ماخري» مشاوير بحثي عن عثمان سبي ورفاقه لابدأ مهمة الوساطة فكان أن قال لي:«أنت محظوظ» عثمان سبي وكل قيادات الثورة الأريترية معنا هنا فقد جاءوا بدعوة من الرئيس سياد لتدارس الأوضاع المتفجرة في أثيوبيا بعد أن تمردت الفرقة الثانية المرابطة في إريتريا تضامناً مع الفرقة الأولى المرابطة في منطقة الأوجادين..
وقال : « ماخري» سيكون من الجيد جداً استراتيجياً لو أن السودان دخل على الخط وفتح حدوده من جديد للثورة الأريترية لتضييق الخناق عليهم من هناك وهذا سيقود إلى تخفيف الضغط على جبهة الأوجادين التي ستتفجر بعد أيام..!. كان« ماخري» قد أحس بأنه أفشى بسر عسكري لصحافي هو أنا، لذا بادر ونبهني بأن أحفظ ما قلته في خانة كوني مستشاراً إعلامياً للرئيس سياد وليس مراسلاً صحافياً وقد فعلت..!!.

كان المرحوم عثمان سبي وهو يحدثني كعادته ـ رحمه الله ـ عن كل كبيرة وصغيرة حول قضايا الثورة الإريترية ويقول لي: «إنت شريك ولست مجرد «صحافي صديق» تبدو عليه علامات اليأس الشديد من أي وفاق أو إتفاق مع «أفورقي».. القائد الميداني الذي تمرد عليه في شبه إنقلاب عسكري هو الأول بهذا الحجم فوق الساحة الأريترية التي كانت حقيقة تعج بالخلافات ذات الطابع الأيدولوجي الذي يعكس أوضاع تلك الحقبة الدولية الملتهبة..!.
كان الرجل بعيد النظر حين سألته عن من أين سيتمون أفورقي وجيشه المتمرد بعد أن يقطع صلته بالبعثة الخارجية التي كان يقودها هو «أي سبي»، فقال إن كل شىء يبدو معد تماماً إذ نمى إلى علمنا أن مساعدات ومعونات «كنسية» وأوروبية غربية أخذت تتدفق لأول مرة على الساحة الأريترية ولقد فهمت من المرحوم عثمان يومذاك أن مرحلة «تنصير وتغريب» أريتريا قد بدأت وأن نهاية المطاف إن لم ينتبه العالم العربي ستكون إستقلال أريتريا وفقاً لما يريده غير شعبها أو وفقاً لما تريده الإرادة الدولية الغربية والإسرائيلية خاصة بقول سبي «إن الغرب عندما عارض إستقلال اريتريا عقب الحرب العالمية الثانية خاف عليها من النفس العربي والإسلامي فضلاً عن خوفه من الأفكار الإشتراكية والتي أخذت تضرب المنطقة هذه في ذلك الزمن...!
كان المرحوم عثمان والذين معه قد غادروا مقديشو في طريقهم إلى جيبوتي ومنها مهامهم الأُخرى حيث كانت جيبوتي قد إستقلت وتولى الوالد حسن جوليد إبتدون الرئاسة الأولى وأصبحت الوالدة عائشة بوقري هي السيدة الأولى ساكنة القصر الكبير ليصبح زوجها ـ مكان المندوب السامي وقصره المطل على البحر الأحمر وباب المندب لتصبح هي ساكنة القصر ذاته بعد أن تشردت لسنوات بين مقديشو وباريس والقاهرة..!. ولقد حدثت المرحوم عثمان سبي عن الطلب السوداني والتحول الكبير الذي يدعو الأريتريين، كثوار، وجبهات للعودة إلى السودان والعمل من فوق أراضيه بعد أن تلاحقت التطورات في أثيوبيا وحدث التغيير الذي أطاح بالإمبراطور هيلاسلاسي الغربي الإنتماء وأتى بالمقدم منقستو هيلي ماريام الإشتراكي الذي بادر برفع راية العداء للأنظمة التي أسماها رجعية وفي مقدمتها بالطبع نظام نميري الذي كان قد ذبح الشيوعيين ودمر حزبهم الكبير والمؤثر في كل أفريقيا..!.
ولقد رحب سبي بالعودة والعمل في السودان ولكنه لم يكن متفائلاً بعودة الولاء والوفاء السوداني الرسمي لصالح القضية الأريترية حيث قال: «إن نميري يريدنا الآن لأن الغرب يريدنا كحركة معادية للنظام الجديد في أثيوبيا بإعتباره نظاماً ماركسياً وفي اليوم الذي ينتهي فيه حكم منقستو الذي لن يعيش طويلاً سيكون أمام الغرب احد خيارين تجاه القضية الأريترية وهما إما دعم عدم إستقلال أريتريا من خلال دعم النظام البديل لمنقستو أو إقامة دولة أريتريا مضمونة الولاء للغرب وبعيدة عن أية إرتباطات أو وشائج عربية..! ويا لها من نبوءة صدقت الآن..!
كنت أودع سبي عند باب الفندق وهو في طريقه إلى جيبوتي حيث همست موظفة الإستقبال في أُذني.. تلفون عشانك.. ومستعجل..! كانت المتحدثة بصوت هو أجمل ما فيها عبر الهاتف او مباشرة هي السيدة «بيحي» حيث دعتني في صيغة أمر «غداً نلتقي عندنا في البيت»..! ولكن قبل أن أسألها كيف.. كانت قد ودعتني وقفلت الخط على موعد في الغد..!

.قال لي المندوب الاريتري إن الزعيم عثمان صالح سبي يريدك في بيروت وفي أسرع فرصة ممكنة..!
كان من الواضح أن الرجل لا يعرف أكثر من الذي قاله هو أسباب دعوة الراحل سبي لشخصي لكي أصله في بيروت وعلى عجل..!
ولأن الأمر تكرر.. والإتصال تواصل فقد أمضيتُ بمقديشو الجميلة - في تلك الأيام طبعاً - أقل فترة أمضيتها فيها خلال ترددي عليها في تلك الحقبة..!
ثلاثة أيام وغادرت إلى بيروت عن طريق طائرة «الايطاليا» التي أخذتني إلى القاهرة.. روما.. ثم إلى بيروت..!
كان الراحل عثمان سبي على علم بموعد وصولي إلى مطار بيروت، حيث كان في استقبالي سائقه وحارسه الأمين واسمه «طلول» أو هكذا كان يُلقَّب ولا أحد يعرف له اسم غير ذلك من الذين حوله كما أعتقد..!
كباية شاي دافئة في شتاء بيروت القارس ذاك واختلى بي الراحل عثمان سبي في صالون بيته بكرنيش المزرعة ببيروت، حيث فاتحني في الأمر..!
قال: يا أخي الإخوة الليبيين عذبونا بتكرار طلبهم في أن يرونك في طرابلس الغرب - عاصمة ليبيا - وبأسرع ما يمكن..!
كان المرحوم عثمان صالح سبي أحد مؤسسي الثورة الاريترية الأفذاذ رجلاً لماحاً ولطيفاً وصريحاً.. فعندما لاحظ ترددي وتساؤلي حول زيارة ليبيا في تلك الأيام حيث كان الخلاف الليبي الصومالي على أشُدَّه بسبب تحالف الحكومة الليبية مع منقستو هيلي ماريام ضد نظام سياد بري وثورة الأوجادين، قال لي عثمان.. يا أخي الأمر فيه خير لأصدقائك الصوماليين والاريتريين والأوجادينيين..!
وبعدها شرح لي الأمر وطمأنني بأن المسألة كلها مسألة وساطة مطلوبة من سياد بري للتدخل عند الرئيس جاليوس نابريري - رئيس تنزانيا في تلك الأيام - والذي قاد معركة اسقاط عيدي أمين في يوغندا المجاورة لبلاده وبعدها أعاد إلى حكم يوغندا رئيسها الذي خلعه عيدي أمين ملتون أبوتي..!
كانت ليبيا قد تحالفت بقوة مع نظام عيدي أمين، وهو التحالف الذي خلق حالة من العداء بين نميري والقذافي ومن تطورات الغزو الليبي للسودان، أو الغزو المعارض في 2 يوليو عام 1976..!
وقد سألت الراحل عثمان سبي.. وماهو المطلوب مني..؟!
قال ليس المطلوب منك أنت.. بل يريدون وساطة صديقك سياد بري لدى صديقه جاليوس نابريري لكي يطلق سراح نحو 40 ضابط وعسكري لييبي تم حجزهم عند غزو القوات التنزانية واليوغندية المعارضة لعيدي أمين للعاصمة كمبالا وغيرها وغيرها من مناطق وجود الدعم العسكري الليبي..!
ولقد رحبت بالفكرة لعدة اعتبارات أولها: أن علاقتي بالإخوة في ليبيا بحاجة إلى مثل هذا الدور الودي بعد أن شوّش عليها في فترة سابقة الإخوة المعارضون السودانيون - الناصريون..!
ثانيها: أن التدخل الصومالي في هذا العمل الإنساني إن نجح سيكون لصالح قضايا اريتريا.. وأجادين.. وجيبوتي التي كانت في تلك الأيام تناضل لأجل الفكاك من الإستعمار الفرنسي..!
بعدها توكّلتُ على الله.. وتوجَّهتُ إلى طرابلس حيث أكرموا وفادتي وشرح لي الأخ الضابط الليبي المسؤول عن المخابرات في تلك الأيام - أو على الأقل المسؤول عن ملف القرن الأفريقي - «عبدالرحمن الشايبي» الذي شرح لي الأمر بإستفاضة فكان ردي عليه.. أن سياد بري إن قام بهذا الدور العربي الإسلامي لصالح الأسرى الليبيين في تنزانيا أو يوغندا سيسجل له هذا الموقف لدى الشعب الليبي الذي هو الأب والأخ والابن والأم والاخت بالنسبة لهؤلاء الأسرى
..!
 

 

الحقوق محفوظة لموقع من اجل اريتريا

All Rights Reserved