أعلن في
الخرطوم يوم الأحد الماضي عن زيارة للرئيس عمر البشير صباح
الاثنين لعاصمة الشرق بورتسودان لحضور مهرجان السياحة الذي
تقيمه ولاية البحر الأحمر وتشرف عليه وزارة السياحة
الولائية التي آلت لأحد قيادات جبهة الشرق وقدامى
اليساريين في مدينة بورتسودان عبد الله كنه، وبعد ساعات من
إعلان زيارة الرئيس في وسائل الإعلام الرسمية أعلن عن لقاء
بين البشير والرئيس الأريتري أسياسي أفورقي لتبدأ
التساؤلات في الفضاء السوداني الأريتري ماذا هناك؟..
ولماذا بورتسودان؟.. وما جديد العلاقات السودانية
الأريترية.. وإلى أي أفق تتجه العلاقات؟..
«آخر لحظة» كانت في بورتسودان في الساعات الأولى من صباح
الاثنين بعد مسيرة امتدت لأكثر من «9» ساعات بالطريق البري
الصحراوي من الخرطوم حتى عطبرة.. هيا.. بورتسودان وهي تلبي
دعوة الوالي محمد طاهر إيلا، ضمن صحافيين بعضهم اعتذر عن
الدعوة وبعضهم حمله الطائر الميمون بالقرب من الرئيس..
ولكن «آخر لحظة» أختير لها أو اختارت هي السفر عبر الوهاد
والصحراء والليل البهيم والغبار والأتربة، لمدينة ماؤها
مالح وإنسانها عذب تتجلى قسمات جماله في بعض من لهجات
الشرق الدافيء وطبائع المدينة التي تموج بالبشر كهدير موج
البحر!!
فضاء أسمرا
والخرطوم
قالت مصادر أريترية
مقربة من الرئيس أسياسي أفورقي تحدثت لـ «آخر لحظة»، إن
أسمرا كانت قلقة من تصويت السودان في اجتماعات الإتحاد
الأفريقي لصالح قرار أفريقي صدر من الإتحاد الأفريقي بشأن
النزاع في القرن الأفريقي «الصومال»، حيث أدان اجتماع قمة
ليبيا الاستثنائي تدخل دول جوار الصومال في دعم بعض
الفصائل المعارضة للإطاحة بالسلطة المؤقتة في مقديشو دون
الإشارة صراحة لأريتريا، وقد صوت السودان لصالح القرار
الشيء الذي جعل أسمرا تتحسس من هذا الموقف!! وعشية الاثنين
بعد اللقاء الجماهيري الذي خاطبه البشير وأفورقي كان فندق
(هيلتون) قد شهد مباحثات ثنائية مطولة امتدت لثلاث ساعات
خرج بعدها الرئيس أسياسي أفورقي واكتسى الوجه بعلامات
الرضا عما جرى، وفي غياب وزراء خارجية البلدين
والدبلوماسيين لم تصدر تصريحات من الجانبين، لكن (يماني
قيراب) مسؤول الشؤون السياسية في الجبهة الشعبية الحاكمة
في أريتريا تحدث لـ «آخر لحظة» من فناء الفندق وقال
العلاقة بين السودان وأريتريا تمضي كل يوم نحو التكامل
الاقتصادي والتنسيق السياسي المشترك لن تتأثر ببعض
التقاطعات التي تحدث في المحافل الإقليمية والدولية..
مشاعرنا نحو السودان صادقة ونبيلة، أكدنا للرئيس البشير
نحن في خندق واحد وأريتريا مع السودان في قضية المحكمة
الجنائية.. ليس فقط لأسباب عاطفية باعتبارنا شعباً واحداً،
ولكن لعدالة موقف السودان ونزاهة الرئيس البشير..
تفاصيل
خاصة
تفهم الرئيس
الأريتري موقف السودان في قمة ليبيا باعتبار الخرطوم تسعى
نحو حل قضايا القارة داخل أفريقيا وتناهض مبدأ التدخل
الأجنبي في القارة، والخرطوم وضعت الإتحاد الأفريقي أمام
مسؤولياته في حل قضية دارفور ورحبت بنشر القوات الأفريقية
بديلاً للقوات الدولية، الشيء الذي جعل الخرطوم تساند
القرارات الصادرة من الإتحاد، وهي تنظر لضرورة أن لا تفعل
الشيء وضده.. تطالب بالحلول الأفريقية وتقف مناهضة للإرادة
الأفريقية وأن القرار الصادر في قمة ليبيا الإستثنائية لا
يدين أريتريا بصورة علنية وقاطعة، بل تحدث عن دول جوار
الصومال وهي دول عديدة منها أريتريا. وأزاحت مباحثات
بورتسودان عن سماء البلدين غشاوة قمة أفريقيا الاستثنائية
وفتحت آفاقاً جديدة للعلاقات بين الخرطوم وأسمرا..
أفورقي في
حي كوريا!!
تجسد وفاء الرئيس
الأريتري أسياسي أفورقي للأرض التي احتضنت كفاحه المسلح
وللشعب الذي حمل القضية الأريترية كقضيته حينما قال أفورقي
أمام جماهير بورتسودان، منذ عام 1966م بدأت علاقتي بهذا
البلد، اثنان وأربعون عاماً ونحن هنا في بورتسودان
والخرطوم وكسلا والقضارف نعيش الثورة الأريترية في دواخلنا
ونحمل البندقية من أجل الاستقلال.. وبادل البشير أفورقي
المشاعر وقال «الشعب السوداني وقف مع أريتريا لأنها تعرضت
للقهر والظلم».
ومساء الاثنين كان
نادي هيئة الموانيء البحرية قد جمع نخب مدينة بورتسودان
وقيادات الأحزاب السياسية على مائدة عشاء تخللتها الموسيقى
والغناء العذب لفنان الشرق «إدريس»، وكان نصيب أفورقي من
الغناء ما جعل حاكم البحر الأحمر الأريتري وهي «فتاة»،
كأنها تلك الفتاة التي هام بها شاعر السودان محمد سعد دياب
«الأم سليلة أمهرا والوالد من قلب أثينا»، رقصت حاكمة
الإقليم وأدهشت الدكتورة تابيتا بطرس شوكاي وزيرة الصحة ..
غناء بلهجة «البجة» وطرب ورقص وابتسامات من الرئيسين فضحت
ما جرى خلف الغرف المغلقة. وقاربت الساعة الحادية عشرة
منتصف الليل هناك وبورتسودان تعيش أنفاس البحر وميلاداً
جديداً لمدينة شاخت وهرمت حتى أضفى عليها والي الشرق إيلا
«الخضاب» فبدت عروسة بحر وبر.
انفض العشاء بعد
نهار طويل شاق جعل مرافقي الرئيسين في إعياء بادي على
حركتهم.. وتوقع الجميع أن يخلد البشير وأفورقي للراحة، بيد
أن الرئيس الأريتري كانت أشواق الماضي والوفاء النادر لشعب
احتضن الثورة الأريترية ورموزها، تجعله يتقدم بطلب لأخيه
البشير وطلبات الأريتريين عند السودانيين (مجابة).
أخذ أسياسي أفورقي
مقعده في السيارة ذات الزجاج الشفاف غير (المشوه) بالتظليل
وطلب من الرئيس البشير أن يسمح له بجولة حول المدينة برفقة
شخص وحيد «محمد طاهر إيلا».. فأخذت سيارة أفورقي وإيلا
تجوب شوارع المدينة حتى أحياء ديم النور وديم عرب وسلالاب
وسلبونا.. أفورقي يتأمل مدينة له في أحيائها السكنية
أصدقاء وأحباب من السودانيين وذكريات عن المقاومة ومبعوثي
النظام الأثيوبي السابق لإلغاء وجود ثوار أريتريا من
الوجود بالقتل والتفجير لإطالة أمد احتلال أرض قاوم شعبها
بنسائه قبل الرجال..
توقف أفورقي وإيلا
في حي كوريا.. صافح بعض الناس وفي حي أولى الذي كان يقطنه
أفورقي فاضت دموع الذكريات والأسى والحنين، وطبقاً لمصادر
كانت قريبة من أفورقي فقد امتدت الرحلة حتى الساعات الأولى
من الصباح وأفورقي يتأمل المباني ويتطلع للغد والأريتريون
يحملون قائد مسيرة استقلالهم على الأعناق!!
غياب
وعلامات استفهام!!
حينما وصلت طائرة
الرئيس البشير لمطار بورتسودان كانت طائرة أفورقي داخل
الأجواء السودانية، وقبل أن يتجاذب البشير الحديث مع محمد
طاهر إيلا ومحمد طاهر حسين نائب رئيس المؤتمر الوطني أمرت
سلطات مطار بورتسودان قائد طائرة أسياسي بالهبوط!! لكن
علامات الاستفهام تمددت على طول «40» كلم المسافة التي
تفصل مطار بورتسودان عن داخل المدينة، عن غياب وزير
الخارجية السوداني دينق ألور وغياب وزيري الدولة السماني
وعلي كرتي وحتى الدكتور مطرف صديق وكيل وزارة الخارجية كان
بعيداً عن وفد الرئيس، الذي ضم الفريق بكري حسن صالح وزير
شؤون الرئاسة وأحد الخبراء في ملف العلاقات مع دول القرن
الأفريقي، والفريق صلاح عبد الله قوش مستشار الرئيس وعبد
الباسط سبدرات وزير العدل ود. تابيتا بطرس شوكاي وزيرة
الصحة ووزير الدولة بالقصر «مدير مكتب الرئيس» طه عثمان..
ورفض محمد طاهر
حسين مستشار الوالي ونائب رئيس المؤتمر الوطني الإجابة على
سؤال طرحته «آخر لحظة» عن دواعي غياب قيادات جبهة الشرق عن
استقبال أفورقي الذي احتضن كفاحهم أيام المواجهة مع النظام
وبفضل مبادرات يماني قبراب تم التوقيع على اتفاقية الشرق،
لكن موسى محمد أحمد مساعد رئيس الجمهورية، ود. آمنة ضرار
مستشار الرئيس كانا أبرز الغائبين عن استقبال أفورقي،
إضافة لقائد الأسود الحرة ووزير الدولة بالطرق والجسور
مبارك مبروك سليم..
فهل هبت رياح
الهبباي بين جبهة الشرق وأسمرا؟.. هذا ما نسعى للإجابة
عليه في الحلقة القادمة.