اتهم الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، في حوار مطول مع الصحافة بقصر الرئاسة في أسمرا تناول قضايا عدة، الرئيس الاميركي السابق جورج بوش بالسعي إلى تقسيم القارة الأفريقية إلى أربع مناطق نفوذ، وبأنها جعلت لها في كل منطقة «وكيلا»، مشيرا إلى أن المخابرات الأميركية تحاول منذ سنوات زعزعة الاستقرار السياسي في بلاده.
وشدد أفورقي على أن الحل السياسي الشامل والجامع هو الحل الوحيد للقضايا السودانية عامة، مشيرا إلى أن محاولات المبادرات المتجزئة والأحادية لا تضمن حلولا جذرية، كما أن التدخلات الخارجية وتدويل القضايا يزيد الأزمة تعقيدا.. ورأى أن حل المشكلة الصومالية يأتي من البر لا البحر.
وفي ما يلي نص الحوار:
أرجو أن نبدأ الحديث عن علاقاتكم المتدهورة مع الإدارة الأميركية السابقة، وما إذا كان الوضع قد تغير مع إدارة باراك أوباما، وما هي الأسس التي كانت تقوم عليها سياسة الإدارة السابقة في إفريقيا مثلاً ؟ السياسة السابقة للولايات المتحدة كانت تقوم على تقسيم إفريقيا إلى أربع مناطق نفوذ: في الجنوب والشرق والغرب والشمال بحيث يوجد في كل منطقة «وكيل» يضمن لها تمرير سياساتها وذلك استنادا على وثائقهم.
بالنسبة للشمال، كانت الأمور معقدة نتيجة لوجود القضية الفلسطينية، لذلك ربما لم تكن أميركا قد حددت اتجاها معينا لسياستها، ولكنها استخدمت نيجيريا في غرب إفريقيا لتمرير أجندتها وتحقيق مصالحها. أما في الشرق فقد حددت التحالف الكيني الإثيوبي ليكون وكيلا لها في القرن الإفريقي وشرق إفريقيا.
والواقع أن الشعب الاريتري كان ضحية للسياسات الأميركية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث دفع تضحيات جسام خلال تلك الفترة، ولكن عقب نيل الاستقلال العام 1991 حاول الإريتريون تجاوز الماضي وفتح صفحة جديدة، إلا ان الأوضاع استمرت على حالها واضطروا لدفع تضحيات أخرى. وكان قدرنا ان نقاوم استراتيجية الهيمنة والتصدي لها من أجل عزة شعبنا ودولتنا وأمننا الوطني.
لماذا في رأيكم ازدادت النزاعات الطائفية والقبلية في منطقة القرن الإفريقي والشرق الأوسط عموماً حتى في العراق ولبنان؟
هناك قوى خارجية تعمل على تعزيز النزاعات الطائفية والقبلية في كل الدول العربية والإفريقية. كما استطاعت هذه القوى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة ودول غربية أخرى، أن تستفيد من عدم وعي بعض القيادات في المنطقتين العربيةوالإفريقية للدفع بها نحوخط سياسي يقوم على تأجيج الانقسامات العشائرية والطائفية والدينية. وهذه القوى الخارجية تؤمن بأن إضعاف قدرات شعوب هذه المنطقة لن يتم من خلال عمليات عسكرية، بل من خلال نشر ثقافة القبلية والطائفية لتمزيقها وتجزئتها.
-أرجو أن تسمح لي بالانتقال إلى ملف حقوق الإنسان في إريتريا.. لا شك أن أقل شيء يمكن أن تقدمه الحكومة لهذا الشعب الذي ناضل من أجل التحرير هو حماية حقوق الإنسان.. فما هي جهود حكومتكم لتحقيق ذلك؟
=حقوق الإنسان لا تحتاج إلى صيانة في إريتريا.. أنا أقول بكل صراحة وجرأة و من دون تردد واستنادا على معلومات مؤكدة انه اذا كانت في بلادنا معارضة؛ فإن المخابرات المركزية الأميركية (سي.آي.إيه) تشتري ضمائر بعض الإريتريين، وتحاول افتعال مشكلات سياسية سواء باسم الأديان او باسم القبائل او باسم الأقاليم.
لا توجد وسيلة لم تستخدمها سي.آي.إيه لزعزعة الاستقرار السياسي في هذا البلد.
إن أميركا تروج بين حين وآخر وبشكل منسق ومنظم عن حقوق الإنسان وحقوق العبادة وغيرها من الأمور، ولكنني أقول للعالم إن الشعب الإريتري لا يحتاج إلى محام أو مدافع عن حقوقه، ولا نطلب من أحد أن يعطينا شهادات عن صيانة حقوق الإنسان في هذا البلد، هذا الشعب يعرف مصالحه.
استنفار دائم
-ولكن لماذا تقيدون سفر المواطنين، ولماذا لا يستطيع الشاب الإريتري السفر إلى دول الخليج مثلا أو إلى أي دولة أخرى في العالم للعمل بحيث يعود مرة أخرى إلى بلده لقضاء إجازته مع أهله دون قيود؟
=هذا الوضع ناتج عن السياسات الأميركية السابقة في المنطقة، ونتيجة للمشكلة الحدودية التي افتعلتها واشنطن بيننا وبين إثيوبيا. تعرف أن الخدمة الوطنية الإلزامية (التجنيد) موجودة في كل الدول، ولكنها بالنسبة لنا ممتدة لأننا أصبحنا رهينة للخلاف الحدودي مع إثيوبيا..
لقد وضعتنا الإدارة الأميركية السابقة في حالة استنفار دائمة لدرجة لا تمكن شبابنا من السفر للخارج، وحتى بعد أن يكملوا مدة خدمتهم العسكرية وتجنيدهم الإلزامي فإنهم سيعملون في أعمال مدنية أخرى مثل بناء الطرق او الجسور او الزراعة وغيرها من الأعمال، لأننا لا نستطيع أن نتراخى في أمننا الوطني. إضافة إلى ذلك، فإن المخابرات الأميركية تعمل منذ سنوات على تهريب الشباب الإريتري للخارج بما يشبه تجارة البشر.
هناك شباب خرجوا بشكل سري ومنهم من مات غرقا في البحار في طريقه الى أوروبا، ومنهم من مات في الصحاري، ومنهم من قتلتهم الغارة الجوية الأخيرة على قافلة في شرق السودان. وينبغي على منظمات حقوق الإنسان بدلا من توجيه الاتهامات لحكومتنا أن تبحث عن العصابات التي تنظمها المخابرات الأميركية لتهريب الشباب الإريتري وممارسة تجارة البشر، على هذه المنظمات الدفاع عن هؤلاء الشباب الذين يتم تهجيرهم بخداعهم والتغرير بهم.
-ألا توجد فترة زمنية محددة ينهي خلالها الشاب الإريتري خدمته الإلزامية، ويتمكن بعدها من السفر للخارج لتحسين ظروفه المعيشية؟
=كان لدينا اتفاقيات في هذا الصدد مع الأمم المتحدة والبنك الدولي لإيجاد «مفوضية» لتسريح من أكملوا خدمتهم الإلزامية، إلا أنها أعيقت من قبل الإدارة الأميركية السابقة. أما بالنسبة للعمل في الخارج، فإننا وقعنا اتفاقيات مع عدد من دول الخليج، مثل السعودية وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة حيث يعمل آلاف الشباب في هذه البلدان.
-بالانتقال إلى دول الخليج، كيف تصف الموقف السعودي من قضايا القرن الإفريقي، خاصة وأن السعودية أقرب دولة خليجية جغرافيا إلى هذه المنطقة؟
=السعودية دولة كبيرة، ومؤهلة لأن تلعب دورا أساسيا ومحوريا في منطقة القرن الإفريقي وفي منطقة البحر الأحمر لاعتبارات جغرافية واقتصادية، رغم أن مصر لعبت دورا تقليديا كبيرا في السابق. أما حاليا، فهناك فراغ في المنطقة، وبصرف النظر عن آراء الناس في الوضع السياسي في مصر، باعتقادي أن مصر لا يمكن أن تلعب دورا مهما وفاعلا في مستقبل منطقتنا. كما أن مصر اتجهت شمالا في الوقت الحالي وأدارت ظهرها عن الجنوب، وهذا خيارها ونحترمه. وكان بمقدور السعودية أن تلعب دورا مهما في المنطقة لما لها من علاقات جيدة مع جميع دولها، ولكن باختصار يمكن القول ان السياسات الخارجية السعودية «خجولة».
والواقع أن السعوديين لم يأخذوا زمام المبادرة لتعزيز دورهم المطلوب في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، رغم أنها كما قلت الدولة الخليجيةالوحيدةالمطلة على هذا البحر،ونحن لدينا تواصل مستمرمعها.
موجودون في دارفور
-كيف حاولتم لعب دور في حل أزمة دارفور وأنتم غير مقبولين لدى الأطراف التي تدير الخلاف، لاسيما أميركا وفرنسا؟
=كان بالإمكان تجاوز أزمة دارفور وحلها في إطار ضيق بإشراف إريتريا والدول الأخرى التي لديها بالفعل اهتمام صادق لحل هذه القضية. إلا أن الولايات المتحدة ساهمت فعليا في عرقلة ذلك، لأنه ببساطة لنا آراؤنا ومواقفنا التي تتعارض مع مصالحهم ومع أسلوب معالجتهم لهذه القضايا. غير أننا لم نتأثر بهذا الرفض او محاولات التعطيل الأميركية، وبالرغم من كل ذلك نحن موجودون في دارفور، ليس من باب التحدي لأميركا، ولكن لأن ذلك واجب علينا تجاه استقرار السودان وإعادة علاقاته الطيبة مع تشاد، ولأن حل مشكلة دارفور سيعود بالخير على الجميع.
اعتقد أن الحل السياسي الشامل والجامع هو الحل الوحيد للقضايا السودانية عامة، لأن محاولات المبادرات المتجزئة والأحادية لا تضمن الحلول الجذرية، كما ان التدخلات الخارجية وتدويل القضايا يعقد المشاكل أكثر فأكثر.
القرصنة: لا حل سريعا
-ما هو السبيل لمكافحة القرصنة البحرية؟ وما حجم الأضرار التي لحقت بإريتريا جراء عمليات القرصنة خاصة أن لديكم ميناءي: مصوع وعصب على البحر الأحمر؟
=قبل الدخول في موضوع القرصنة، أقول دائما يجب أن لا نكتفي بمعالجة الظاهرة، بل علينا معالجة المشكلة الأساسية التي تسببت فيها واعني الوضع في الصومال.
قد يكون من الصعب أن نجد حلا سريعا لذلك، ولكن يجب التركيز علي حل المشكلة الأساسية في الصومال، لأنه لو كانت تتمتع بحكومة مستقرة ذات مؤسسات قوية لما نشأت ظاهرة القرصنة إطلاقا.
-هل تعني أن الحل ليس في البحر وإنما في البر الصومالي؟
=نعم، الحل في البر الصومالي وليس البحر، وأجزم أن هناك قوى إقليمية ودولية، تستفيد من عمليات القرصنة. كما أن الفراغ السياسي والأمني والمؤسسي في الصومال لأكثر من 18 عاما أنشأ ما يسمى بأمراء الحرب، الذين يشجعون عمليات القرصنة. كما أن هناك قوى خارجية إقليمية مستفيدة من تجزئة الصومال، وهذا يعكس «غباءها» السياسي لأنها تعتقد أن ذلك سيؤمن مصالحها.
في الواقع، ان ذلك سيهدد مستقبلها، باعتبار ان ظروف الصومال تؤثر سلبا على أوضاع هذه الدول. وإذا كان الحكام في إثيوبيا اعتقدوا أن تجزئة الصومال وتمزيقها هو لمصلحتهم، فان ذلك لن يكون لمصلحة الصوماليين في إقليم اوغادين ولا لمصلحة قوميات: الاورومو والتيغراي والعفر والامهرا، ولا لمصلحة الشعوب الأخرى. بل بالعكس انه يزيد أوضاعها تأزيما.
وإذا كان الكينيون أيضا يعتقدون أن الوضع الصومالي مريح بالنسبة لهم فإنهم مخطئون.
والقرصنة هي إفراز لوضع الصومال والفراغ الموجود فيه، وكل السفن الحربية وحاملات الطائرات والقوى البحرية الموجودة في البحر الأحمر من مختلف دول العالم لن تستطيع القضاء على القرصنة، لأن الشاب الصومالي الفقير الذي فقد الأمل في المستقبل ويمتلك قاربا مصنوعا من مادة الفايبر يتحرك أسرع من كل هذه القوات البحرية. ولأنه شخص يائس، فإنه يمتلك الجرأة والشجاعة وحياته لا تهمه كثيرا.
وكما قال نابليون بونابرت: فإن ثلثي المعركة هي «معنويات» وهؤلاء القراصنة استطاعوا أخذ رهائن والاحتفاظ بهم.
-هل تعني أن إثيوبيا متورطة في دعم القرصنة البحرية؟
=أنا لم أتطرق لهذا الموضوع من قبل، لأنه لا داعي لأن نربط الأمور ببعضها، لكن الواقع هو أن المستفيد الأكبر الواقع الحالي الموجود في بونت لاند (أرض الصومال) هي إثيوبيا، على اعتبار أن لها امتدادات أمنية وعلاقات مع المؤسسات الموجودة في هذه المناطق.
إثيوبيا لها مصلحة في استمرار عمليات القرصنة في البحر الأحمر، وهي تعمل على استمرارها وتأجيجها، ولدي معلومات تفصيلية عن ذلك. إن حكام أثيوبيا يرون في الصومال الموحد والمستقر خطرا عليهم وعلى أمنهم القومي، لذلك يرون أن تمزيق الصومال هو من مصلحتهم. وهذا أمر معلن بشكل صريح، وأنا لا استبعد أن تكون إثيوبيا مستفيدة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من عمليات القرصنة، وذلك انطلاقا من نفس المنطق الذي حاول به النظام الإثيوبي الاستفادة من ما يسمى بـ «الإرهاب» في تأمين دعم خارجي سياسي وعسكري للتدخل في هذه المنطقة.
وما أقوله الآن ليس تحليلا سياسيا بل هو أمر واقع نملك كل تفاصيله.
حياة عاديّة
-يقال انك لا تعيش حياة الرؤساء والملوك وأنك تتقاضى راتبا شهريا مثلك مثل أي مسؤول في الدولة، إضافة لنثريات سفر مقننة، وإنك ترفض الإقامة في القصر الرئاسي، كيف تكيف وضعك الشخصي في هذه الظروف؟
=فكان الرد: «ربما التربية البسيطة التي نشأت عليها كان لها دور أساسي، الى جانب قناعتي بأن الشخص لكي يكون أكثر فعالية وديناميكية يجب أن يتحرر من كل هذه القيود، كما ان الحياة الطبيعية والبسيطة تجعلك أكثر نجاحا وقبولا في المجتمع الذي تعيش فيه. إن المسؤول أو الموظف الحكومي في بلادنا قد لا يكفيه راتبه الشخصي، ولكن يجب عليه أن يراعي ظروف البلد ومرحلة التأسيس التي نمر بها في بناء الدولة. ويجب علي كرئيس لهذا البلد ألا أعيش في برج عاجي على حساب المواطنين، وهل من يفعل ذلك يكون ضميره مرتاحا؟ أو الناس من حولك مرتاحون لك؟ بالتأكيد لا».
وأضاف: «أما بالنسبة لرفضي السكن في القصر، فانه حتى ولو أعتبر الآخرون أن وظيفتي كرئيس تستحق تلك التسهيلات والامتيازات، فإنني أرفضها ولا اعتبرها مكسبا لي لأن مكسبي الحقيقي هو أن أسهم في تغيير حياة شعبي نحو الأفضل».
الاحتياطات الأمنية على حياتك وتحركاتك كيف هي
لماذا تتحرك داخل أسمرا دون موكب رئاسي؟
=فقال: «ببساطة، لأن الشعب الإريتري لا يحب المظاهر العسكرية في شوارع المدن، كما أن الأمن لدينا مستمد من الشعب، نفسه وليس من الشرطة وأجهزة الأمن أو التقنيات الأمنية. ولا أعتقد انك خلال زيارتك هذه رأيت أي انتشار للشرطة أو الجيش في شوارع أسمرا».
وتابع الرئيس الإريتري القول: «أنا أتحرك بسيارتي ودون أي موكب، لأن المواكب لا تحمي أحدا و لا يمكن أن تكون آمنا بالاعتماد على الشرطة، بالعكس كل الناس تتحرك داخل أسمرا بحرية وأمان، ولماذا الموكب؟ خسارة مالية؟ خلق ذعر عند الناس؟ تخويف الناس؟ خلق توتر عند أذهان الناس؟

